الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

92

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولما أسند التسبيح إلى كثير من الأشياء التي لا تنطق دل على أنه مستعمل في الدلالة على التنزيه بدلالة الحال ، وهو معنى قوله : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ حيث أعرضوا عن النظر فيها فلم يهتدوا إلى ما يحف بها من الدلالة على تنزيهه عن كل ما نسبوه من الأحوال المنافية للإلهية . والخطاب في لا تَفْقَهُونَ يجوز أن يكون للمشركين جريا على أسلوب الخطاب السابق في قوله : إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً [ الإسراء : 40 ] وقوله : لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كما تقولون [ الإسراء : 42 ] لأن الذين لم يفقهوا دلالة الموجودات على تنزيه اللّه تعالى هم الذين لم يثبتوا له التنزيه عن النقائص التي شهدت الموجودات - حيثما توجه إليها النظر - بتنزيهه عنها فلم يحرم من الاهتداء إلى شهادتها إلا الذين لم يقلعوا عن اعتقاد أضدادها . فأما المسلمون فقد اهتدوا إلى ذلك التسبيح بما أرشدهم إليه القرآن من النظر في الموجودات وإن تفاوتت مقادير الاهتداء على تفاوت القرائح والفهوم . ويجوز أن يكون لجميع الناس باعتبار انتفاء تمام العلم بذلك التسبيح . وقد مثل الإمام فخر الدين ذلك فقال : إنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ ( أي جواهر فردة ) ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله ، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة ، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة هو من الجائزات فلا يجعل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم ، فكل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله تعالى ، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم وأحوال تلك الصفات غير معلومة ، فلهذا المعنى قال تعالى : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . ولعل إيثار فعل لا تَفْقَهُونَ دون أن يقول : لا تعلمون ، للإشارة إلى أن المنفي علم دقيق فيؤيد ما نحاه فخر الدين . وقرأ الجمهور يُسَبِّحُ - بياء الغائب - وقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف - بتاء جماعة المؤنث - والوجهان جائزان في جموع غير العاقل وغير حقيقي التأنيث . وجملة إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً استئناف يفيد التعريض بأن مقالتهم تقتضي تعجيل